أبي جعفر النحاس

59

اعراب القرآن

تراه ؟ قلنا له : أنكرنا ذلك لأن اللّه أخبر في كتابه أن وجوها في القيامة إلى اللّه سبحانه ناظرة ، وأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم سيرون ربهم جلّ وعزّ يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر وكما يرون الشمس ليس دونها سحابة . فكتاب اللّه يصدّق بعضه بعضا ، فعلم أن معنى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ غير معنى إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . قال : وقيل المعنى لا تدركه أبصار الخلق في الدنيا وتدركه في الآخرة فجعلوا هذا مخصوصا . قال « 1 » : وقيل : المعنى لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة وتدركه أبصار المؤمنين ، وقيل : « لا تدركه الأبصار » بالنهاية والإحاطة . فأما الرؤية فنعم ، وقيل : لا تدركه الأبصار كإدراكه الخلق ، لأن أبصارهم ضعيفة ، وقال آخرون : الآية على العموم ولن يدرك اللّه جلّ ثناؤه بصر أحد في الدنيا والآخرة ، ولكن اللّه جلّ وعزّ يحدث لأوليائه يوم القيامة حاسة سادسة سوى حواسهم الخمس فيرونه بها . والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنكم سترون ربكم فالمؤمنون يرونه والكافرون عند يومئذ محجوبون » « 2 » . ولأهل هذه المقالة أشياء يلبسون بها فمنهم من يدفع الحديث مكابرة وطعنا على أهل الإسلام ، ومنهم من يأتي بأشياء نكره ذكرها . قال محمد بن جرير : وإنما ذكرنا هذا ليعرف من نظر نعني فيه أنهم لا يرجعون من قولهم إلّا إلى ما لبّس عليهم الشيطان مما يسهل على أهل الحق البيان عن فساده ، ولا يرجعون في قولهم إلى آية من التنزيل ، ولا رواية عن الرسول صحيحة ولا سقيمة ، فهم في الظلماء يخبطون وفي العمياء يترددون نعوذ باللّه من الحيرة والضلالة . قال أبو جعفر : فأما شرح « تضارون » واختلاف الرواية فيه فنمليه . فيه ثمانية أوجه : يروى « تضارون » بالتخفيف و « تضامون » مخففا ، ويجوز تضامّون وتضامّون بضم التاء وتشديد الميم والراء ، ويجوز تضامّون على أن الأصل تتضامّون حذفت التاء كما قال جلّ وعزّ وَلا تَفَرَّقُوا [ آل عمران : 103 ] ، ويجوز تضّامّون تدغم التاء في الضاد ، ويجوز تضارّون على حذف التاء ، ويجوز تضّارّون على إدغام التاء في الضاد والذي رواه المتقنون مخفّف تضامون وتضارون . سمعت أبا إسحاق يقول : معناه لا ينالكم ضيم ولا ضير في رؤيته أي ترونه حتى تستووا في الرؤية فلا يضيم بعضكم بعضا ، ولا يضير بعضكم بعضا وقال أهل اللغة قولين آخرين قالوا : لا تضارّون بتشديد الراء ، ولا تضامّون بتشديد الميم مع ضم التاء ، وقال بعضهم : بفتح التاء وتشديد الراء والميم على معنى تتضامّون وتتضارّون ، ومعنى هذا أنه لا يضار بعضكم بعضا أي لا يخالف بعضكم بعضا في ذلك . يقال ضاررت فلانا أضارّه مضارّة وضرارا إذا خالفته . ومعنى لا تضامّون في رؤيته أنه لا يضمّ بعضكم إلى بعض فيقول واحد للآخر أرنيه كما يفعلون عند النظر إلى الهلال .

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 7 / 299 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 7 / 302 .